الكنديون العرب: عدة موجات من الهجرة

0 / 2764

بائع "كشة" لبناني في جزيرة الأمير إدوارد أوائل القرن الفائت قرب العربة التي يجوب بها وحصانه أنحاء الجزيرة عارضاً على السكان سلعاً وبضائع متنوعة (الصورة تقدمة داود أبي راشد من سكان شارلوت تاون، عاصمة جزيرة الأمير إدوارد) 

بدأت الهجرة العربية إلى كندا منذ أكثر من 130 عاماً. وقدم المهاجرون العرب إلى كندا بحثاً عن حياة أفضل بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في بلدانهم الأم.

ويفيد العديد من المراجع أن أول عربي قدم إلى كندا بهدف الاستقرار والعمل كان ابراهيم أبو نادر في عام 1882. وأبو نادر من مدينة زحلة في لبنان والتي كانت آنذاك تتبع متصرفية جبل لبنان الحائزة على شكل من أشكال الحكم الذاتي ضمن السلطنة العثمانية.

المهاجرون الأوائل مسيحيون مشرقيون في غالبيتهم الساحقة

يمكن التمييز بين عدة موجات رئيسية من الهجرة العربية إلى كندا. تمتد موجة الهجرة الأولى من عام 1882 وحتى عشية الحرب العالمية الأولى. وكان المهاجرون العرب في تلك الفترة في غالبيتهم الساحقة من المسيحيين القادمين من لبنان وسوريا في حدودهما الحالية، مع أرجحية واضحة للقادمين من لبنان. وكان المهاجرون الأوائل الآخرون في معظمهم من المسلمين السنة والدروز، لاسيما من جنوب شرق لبنان الحالي. وكثيرون من بين المهاجرين كانوا قاصدين الولايات المتحدة، لكن حطت بهم الرحال في كندا.

ويقدر البروفسور الفخري بهاء أبو لبن، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ألبرتا، عدد المهاجرين العرب في كندا عام 1901 بنحو ألفيْ شخص، وعام 1911 بنحو سبعة آلاف شخص.

أما الموجة الثانية من الهجرة العربية فتبدأ غداة نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعتبر البروفسور أبو لبن أنها تمتد من عام 1945 حتى عام 1992. لكن هناك من يفضل وضع حد لها في عام 1975، ومن بينهم أستاذ علم الاجتماع في جامعة كيبيك في مونتريال البروفسور رشاد أنطونيوس.

شكل المصريون المجموعة الأكبر من المهاجرين العرب في فترة 1945 – 1975، وتحديداً 37,3% منهم، وقدموا لأسباب سياسية واقتصادية متصلة بأزمة السويس عام 1956 وسياسة التأميم التي انتهجها الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكان معظم مصريي موجة الهجرة المذكورة من المسيحيين المتحدرين من مهاجرين لبنانيين وسوريين استقروا في مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وشكل اللبنانيون ما نسبته 33,6% من مهاجري هذه الموجة، وكانوا في معظمهم من المسيحيين. وبلغت نسبة المهاجرين من المغرب 14,9% ومن سوريا 7,6%.

ويقدر البروفسور أبو لبن عدد الكنديين من أصول عربية عام 1975 بين 70 ألفاً و80 ألف نسمة.

وإذا سلمنا بوجود أربع موجات رئيسية من الهجرة العربية إلى كندا، فالموجة الثالثة تمتد من عام 1975 حتى عام 1992. وتتزامن بداية هذه الموجة من الهجرة مع اندلاع الحرب اللبنانية، وهي حرب أهلية وإقليمية حطت أوزارها عام 1990 وأبصر خلالها النور "البرنامج اللبناني" الذي وضعته السلطات الكندية بهدف استقبال اللبنانيين الهاربين من أهوال الحرب في بلدهم. فقدم اللبنانيون، مسيحيين ومسلمين، إلى كندا بأعداد كبيرة سعياً وراء حياة أفضل.

كما حملت موجة الهجرة العربية الثالثة إلى كندا أعداداً كبيرة من المصريين، وأيضاً مهاجرين من العراق وسوريا والأردن، ومن الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة الكويت في أعقاب هزيمة الجيش العراقي عام 1991 بعد احتلاله هذا البلد في آب (أغسطس) 1990.

ويقول البروفسور أبو لبن إن عدد المهاجرين العرب في كندا عام 1992 بلغ 215331 شخصاً، 93% منهم وصولوا إلى كندا بين عاميْ 1962 و1992. وآخذاً بالاعتبار النمو السكاني الطبيعي، يقدر أبو لبن عدد الكنديين من أصول عربية عام 1996 بين 275 ألفاً و300 ألف نسمة.

موجة الهجرة الرابعة: معظم المهاجرين مسلمون

أما موجة الهجرة الرابعة والممتدة منذ عام 1992 وحتى الآن فتتزامن بدايتها مع اندلاع النزاع المسلح في الجزائر بين القوات الحكومية والفصائل الإسلامية المسلحة عقب إلغاء الانتخابات التشريعية في ذاك العام، وهو نزاع عُرف بـ"العشرية السوداء". فقدمت إلى كندا في تسعينيات القرن الفائت أعداد كبيرة من الجزائريين، وبأعداد أقل من سائر دول المغرب العربي أيضاً.

وكون المغاربيين في غالبيتهم الكبرى يتحدثون الفرنسية كلغة ثانية، فقد ساهم هذا العامل اللغوي في اختيارهم كيبيك، المقاطعة الكندية الوحيدة ذات الغالبية الناطقة بالفرنسية، موطناً جديداً لهم.

كما قدمت إلى كندا في عقد التسعينيات أعداد هامة من العراقيين الهاربين من بلدهم الذي شهد انتفاضة في الشمال وأخرى في الجنوب وأعمال قمع واسعة بحق المناطق المنتفضة، إضافة إلى فرض عقوبات دولية عليه. وبين عاميْ 2008 و2012 استقبلت كندا أكثر من 20 ألف لاجئ قادمين من العراق/ كما يؤكد رئيس "معهد الأبحاث العربي الكندي" (Canadian Arab Institute) رجا خوري استناداً إلى بيانات رسمية كندية.

وكان للعامل اللغوي أيضاً دور في اختيار المهاجرين العراقيين للمقاطعات التي أقاموا فيها، إذ فضلوا في غالبيتهم أونتاريو على كيبيك كون الإنكليزية لغتهم الثانية، كما اختار البعض منهم ألبرتا وبريتيش كولومبيا في الغرب الكندي.

ومن بين الأمور التي تتميز بها موجة الهجرة العربية الرابعة عن سابقاتها هي أن معظم المهاجرين الذين حملتهم إلى كندا مسلمون، أي من المجموعات التي تشكل الأكثرية في أوطانها الأم. ومع ارتفاع عدد القادمين الجدد من المسلمين العرب وغير العرب ارتفعت المطالبات بتسويات معقولة في أماكن العمل والدراسة وأماكن الترفيه العامة المفتوحة أمام جميع السكان.


فادي الهاروني صحافي في القسم العربي في راديو كندا الدولي منذ شباط (فبراير) 1994. حائز على دبلوم دراسات عليا في الصحافة من جامعة كونكورديا في مونتريال عام 1994 وعلى بكالوريوس علوم في إدارة الأعمال والمعلوماتية من الجامعة اللبنانية الأميركية في لبنان عام 1985.

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *